محمد جمال الدين القاسمي

331

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

حكم فالأمر باتباعه يكون في مأخذ ذلك الوصف . فإذا قيل اقتد بالمصلي فالمراد في صلاته . فكذا سبيل المؤمنين ، يعني به سبيلهم في الإيمان ، لا غير . فلا دلالة في الآية على اتباعهم في غيره . وردّ بأنه تخصيص بما يأباه الشرط الأول . ثم إنه إذا كان مألوف الصائمين الاعتكاف ، تناول الأمر باتباعهم ذلك أيضا . فكذلك يتناول ما هو مقتضى الإيمان فيما نحن فيه . فسبيل المؤمنين ، وإن فسر بما هم عليه من الدين ، يعمّ الأصول والفروع ، الكل والبعض . على أن الجزاء مرتب على كل من الأمرين المذكورين في الشرط ، لا على المجموع . للقطع بأن مجرد مشاقة الرسول كافية في استحقاق الوعيد ، معنى على أن ترك اتباع سبيل المؤمنين اتباع لغير سبيل المؤمنين . لأن المكلف لا يخلو من اتباع سبيل ، البتة . انتهى . ورأيت للإمام تقيّ الدين بن تيمية في كتابه ( الفرقان بين الحق والباطل ) مقالة بديعة في هذه الآية والإجماع . أجال فيها جواد قلمه وأجاد . وأطال وأطاب . قال رحمه اللّه : ما يسميه ناس الفروع والشرع والفقه ، فهذا قد بينه الرسول أحسن بيان . فما بقي مما أمر اللّه به أو نهى عنه أو حلله أو حرمه إلا بيّن ذلك . وقد قاله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] . وقال تعالى : ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ يوسف : 111 ] . وقال تعالى : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [ النحل : 89 ] . وقال تعالى : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [ الشورى : 10 ] . وقال تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ [ التوبة : 115 ] . فقد بيّن للمسلمين جميع ما يتقونه . كما قال : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [ الأنعام : 119 ] . وقال تعالى : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [ النساء : 59 ] . وهو الردّ إلى كتاب اللّه ، أو إلى سنة الرسول ، بعد موته . وقوله فَإِنْ تَنازَعْتُمْ شرط . والفعل نكرة في سياق الشرط . فأي شيء تنازعوا فيه ردّوه إلى اللّه والرسول . ولو لم يكن بيان اللّه والرسول فاصلا للنزاع لم يؤمروا بالرد إليه . وقد جاء عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « 1 » : تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا

--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في المقدمة ، 1 - باب اتباع سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حديث 5 ونصه : عن أبي الدرداء قال : خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونحن نذكر الفقر ونتخوّفه ، فقال « الفقر تخافون ؟